كل يوم هو حياة جديدة
عدد التعليقات : 22
12 point 14 point 16 point 18 point
2012-06-19 06:54:26

أكتب هذه السطور ليس من أجل كسب التعاطف أو من أجل الشكوى وإنما من اجل سرد كيف كانت الحياة مع مرض إلتهاب المفاصل المعروف بالروماتويد، وذلك من أجل إعطاء المرضى وعائلاتهم صورة عن كيفية التعايش مع هذا المرض.
لم تكن الحياة كما كنت أتخيلها ولكننى تعلمت أننى مازلت قادرة على جعل حياتى منتجة، مازال بإمكانى الإحساس بالفرح والسعادة، مازال بإمكانى التفاؤل والحلم بالمستقبل ومازال بإمكانى الإستمتاع بحياتى .

قصتى مع مرضى بها بعض الحزن لأن مرضي كان شديداً ولكنها أيضاً مليئة بالأمل لذا أحثكم ألا تيأسوا أبداً فى الصراع مع المرض. إقرؤوا عن المرض وتعلموا كيف يمكن التعايش معه لجعل الحياة أكثر سهولة، تعلموا ما هى حدودكم وتعايشوا مع قدراتكم وليكن دائما شعاركم "كل يوم هو يوم جديد".

بداية المرض:
لقد بدأت مشاكلى مع الروماتويد منذ حوالى سبع سنوات كنت حينها أبلغ 27 عاماً، وقد أخذت بعض الوقت فى عمل الفحوصات والتحاليل الطبية حتى تم تشخيص المرض، وكأى مرض مزمن آخر أخذت بعض الوقت حتى تم تحديد العلاج المناسب نظراً لعدم الإستجابة لبعض الأدوية فى البداية وبعد إستخدام العلاج بدأت الآلام فى المفاصل تقل بعض الشئ ولكن ظلت بعض الأعراض لفترة أطول كالشعور بالإرهاق فقد كان هناك بعض الأيام التى يكون فيها مجرد القيام من السرير بمثابة معركة وتحدى مع المرض.

مناسك الحج:
فى حملى الثانى قلت أعراض المرض إلى حد ما ولكن كان هناك صعوبة فى المشى وكنا قد قررنا أنا وزوجى الذهاب إلى الحج وقد كنت وقتها عصبية وحامل ومريضة لذلك لم أكن واثقة إذا كان بمقدورى القيام بمناسك الحج ولكن زوجى قام بشراء كرسى بعجل لى وبفضل مساعدة هذا الكرسى فقد أديت أفضل وأروع حج فى حياتى وهذا يذكرنى بمدى روعة الشرطة فى مكة فعند رمى الجمرات كانوا يقربوننى بالكرسى حتى أستطيع رمى الجمرات بنفسى. لقد كنت منبهرة بنعمة الله  بجعل الحج سهلاً هكذا على.

نشاط شديد للمرض بعد الولادة:
كنت أمر بفترات نشاط للمرض حيث تزداد الأعراض وقد كنت فى بادئ الأمرغيرمستعدة للتعامل مع نوبات النشاط وقد كانت أول مرة ينتابنى حالة نشاط للمرض بعد أسابيع قليلة من ولادة طفلى الثانى حيث بدأت أشعر بآلام فى جميع مفاصل جسمى ولم أكن قادرة على الحركة من شدة الألم وقد قضيت أيام أبكى بشدة وبقدر ما كان الألم شديداً لم يكن بكائى من الألم بقدر ما كان من خوفى وجهلى بما يحدث لى. كنت أتعاطى الكثير من المسكنات، وكانت أمى تجلب لى طفلى الرضيع وتضعه بجانبى على السرير ولم أكن قادرة على النظر إليه بسبب شعوري بالذنب لعدم قدرتى على العناية به وتحولت حياتى وقتها إلى حياة كئيبة ومحبطة وقد كنت أتساءل هل سأموت على هذه الحالة أم سأصبح عبئاً على عائلتى فقد كانت أمى تقوم تحممني فى السرير وكانت تساعدني على الوضوء أيضاً في السرير وكنت أدعو الله فى صلاتى أن يلهمنى الصبر مع هذا المرض وكنت أشتاق للموت فى بعض الأحيان وأدعو الله أن يخلصني من آلامى ومعاناة عائلتى وكان دائماً ملاذى فى النوم للهروب إلى عالم ليس به آلام وكنت فى أحلامى أحيا حياتى التى أريدها ولكني كنت أصحو فأجد نفسى لا أستطيع المشى أو الإعتماد على نفسى. كانت أمى وزوجى يقومان برعايتي ومرت شهور بهذه الطريقة ضعفت فيها عضلات رجلى من قلة الإستخدام فقمت بعمل علاج طبيعى لهما.

تحسن الحالة:
ثم بدأت حالتى  فى التحسن يوم بعد يوم  بفضل الله ورحمته بعد ما بدأ جسمى فى الإستجابة للعقاقير الجديدة الموصوفة لى فأصبحت أستطيع التجول فى بيتى بدون مساعدة، أصبحت أمشط  شعر إبنتى، أصبحت أمسك كتاباَ لأقرأ لإبنى قصة قبل النوم، أصبحت أستمتع بكل دقيقة وأشكر الله على عائلتى وعلى نعمه على، بدأت أتعامل مع كل يوم بيومه وقررت أن اتقبل حدود إمكانياتى وأن أستمع إلى جسدى حينما يطلب الراحة وأيقنت أن هذا فعلاً من طبيعة المرض وليس كسل منى وأننى لست بضعيفة وإنما هو مرض حقيقى يجب إحترامه.

منظور آخر للحياة:
لقد أضعف المرض من جسمى ولكنه قوى إيمانى. لقد تعلمت أن أرى الحياة من منظور آخر وتعلمت أن أكون متواضعة وجعلنى دائما متذكرة أننا كلنا زوار على الأرض لفترة قصيرة. فى أوقاتى الجيدة كنت أذهب إلى مركز لأتلقى دروس في الإسلام ولكننى فى بعض الأحيان لم أكن أستطيع صعود السلم لتلقى الدروس وكانت معلمة القرآن تتعاطف معى ومع مرضى فكانت تأتى إلى بيتى لتعطينى الدروس ولم أكن حينها قادرة على حمل الكتاب فى يدى لشدة آلام رسغى فكنت أكتفى بالإستماع إلى قواعد التجويد وكيفية قراءة القرآن وقد إعتبرت مايحدث لى فرصة رائعة فمرضى لم يمنعنى من التعلم بل بالعكس فقد كان يشحننى نفسياً وكنت أعتبر هذه الدروس سبباً أتطلع اليه وأركز فيه .

العودة إلى العمل:
وبعد ذلك قررت العودة إلى التدريس مرة أخرى ومن أجل ذلك قمت بإعادة ترتيب لحياتى وبدأت التدريس فعلاً ولكن من المنزل حيث لم أكن قادرة على الخروج للعمل بسهولة وكنت أدرس في المساء حينما تقل آلامى وكنت أتحرك فى الغرفة بكرسى بعجل حتى لا أزيد من الحمل على مفاصل رجلى وكان الطلاب يمسكون الكتب لى ويقومون بتقليب الصفح لى، كان الرجوع للتدريس وكسب عيشى بمثابة تعزيز لثقتى بنفسى . لقد علمت أن هذا المرض يحد من قدراتى الحركية فبدأت فى إرتداء ملابس ليس بها أزرار كثيرة حتى اتمكن من إرتدائها وخلعها بسهولة وبدأت فى إستخدام فرشاة أسنان كهربائية  وبدأت أستخدم كرسى أثناء الإستحمام، وأحضر لى زوجى تليفون محمول بشاشة لمس حتى أتمكن من الإتصال بطريقة سهلة ولم أدعى بأننى المرأة الخارقة وإستعنت بمن يساعدنى فى أعمال المنزل وبدأت أشعر تدريجياً بأننى شخص طبيعى.

العودة إلى الدراسة:
فى هذا الصيف ذهبت إلى بلدى، المملكة المتحدة، وقررت أن أواصل مشوارى وأن اتفوق فى مهنتى  فالتحقت بدورة تدريس مع 14 طالب آخر من المملكة المتحدة، وقد إستمرت هذه الدورة نحو شهر وكنت أقوم فى السابعة صباحاً لأذهب إلى الكلية وأعود فى السادسة أو السابعة لأقوم بأداء واجباتى حتى الثانية أو الثالثة صباحاً، وكانت هذه الدورة مرهقة بدنياً وذهنياً لكل طلاب الدورة وكنت أعرف حينما إلتحقت بها أنها ستكون صعبة ولكننى كنت مصممة على الإلتحاق بها، وبفضل الله أولاً وعائلتى ثانياً إستطعت تخطيها بنجاح محققة المركز الأول بأعلى الدرجات، وأثبت لنفسى أننى حتى مع وجود المرض كنت قادرة على إكمال دورة إشتهرت بأنها قادرة على دفع الأصحاء نحو الجنون، فالحصول على هذه الشهادة كان إنتصار شخصى فقد قال لنا إحدى المحاضرين مرة : " إن إجتيازنا لهذه الدورة معناه أنه يمكننا إجتياز أى شئ وضعناه فى حساباتنا".
لاأستطيع إنكار أن رحلتى مع التهاب المفاصل كانت مؤلمة بدنياً وعاطفياً... لم تنتهى رحلتى حتى الآن ولكننى خلال الرحلة إكتشفت قوتى الداخلية وحب عائلتى والعديد من النعم الأخرى .

بالأمل والإيمان:
مازالت حتى الآن أتعاطى المسكنات وأجد صعوبة فى فتح العلب ورفع الأشياء من على الأرض وفى القيام ببعض أعمالي بالمنزل وفى فتح الأزرار وصعود السلالم ولكننى تعلمت النظر للحياة من منظور مختلف فقد قابلت العديد من التحديات ولكن بالأمل والإيمان والدعم من المحبين يكون المستقبل أكثر إشراقة .
ومن الهام أن نتذكر أن الجميع يعانى من المشاكل سواء صحية، مادية أوعائلية فلابد أن لا نشعر كالضحايا، ففى بعض الأحيان تكون الحياة أكثر صعوبة ولكن دائماً نتذكر أن الله لايكلف نفساً إلا وسعها  وان الله يكافئ الصابرين.

أسأل الله أن يشفى جميع المرضى ويبارك لنا ولعائلتنا ويلهمنا الصبر ويكافئنا على معاناتنا.   
 
فريدة رحمان
faridarahman@hotmail.com
 

ابحث عن طبيبك الخاص
أسئلة المرضى المجابة
الأكثر قراءة
القائمة البريدية